فخر الدين الرازي

149

المطالب العالية من العلم الإلهي

من العدم [ والعدم ] « 1 » خيرا منه ، والحكيم لا يفعل الشر . فإن قالوا : السؤال عليه من وجوه : الأول : أن « 2 » الشر : عبارة عن العدم . ألا ترى أن من قتل إنسانا . فذلك القتل شر . وليس هو شر ، لأن الآلة كانت قطاعة ، ولا لأجل أن القاتل كان قادرا على استعمال تلك [ الآلة ] « 3 » القطاعة بالقوة القوية ، ولا لأجل أن عنق المقتول ، كان قابلا للقطع ، فإن كل [ ذلك ] « 4 » خيرات . بل إنما كان شرا ، لأنه زالت الحياة « 5 » عن المحل القابل للحياة ، وهذا الزوال : عدم فثبت : أن الشر ليس إلا العدم . فكيف يقال : الوجود شر ؟ الثاني : سلمنا أن الوجود قد يكون موصوفا بكونه شرا ، إلا أنه وإن حصل عند الوجود أنواع الخوف والألم ، فقد حصل أيضا أنواع السرور واللذة . فنقول : أما الجواب عن السؤال الأول : فهو أنا نقول : مراد جميع العقلاء من الشر والمفسدة والبلاء : حصول الألم والغم . ولا شك أن الألم معنى وجودي . فيثبت : أن هذا الكلام الذي ذكرتموه في السؤال : لفظي محض . وأقول : لما كان هذا الكلام منقولا عن أكابر الحكماء ، وجب حمله على محمل صحيح ، فنقول : الشر إما أن يقع في الذات أو في الصفات أو في الأفعال . أما الشر في الذات : فليس إلا العدم ، وكذا القول في الصفات . فإن العمى والصم والبكم : شرور . وهي مفهومات عدمية ، لأن العمى عبارة عن عدم البصر ، عما من شأنه أن يكون بصيرا . وكذا القول في البواقي . وأما الشر في الأفعال : فمعناه : الإيلام . ولا شك أنه معنى موجود ، فعلى هذا يجب أن يقال : الشر

--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) أنه عبارة ( ت ) ( 3 ) من ( ط ) ( 4 ) من ( س ) ( 5 ) الخيرة على ( ت )